القاضي النعمان المغربي
277
المناقب والمثالب
والأعراب من هذه حاله ، ومن كل من خاف مطالبة علي عليه السّلام فيها أختان به وخباه من عمّال عثمان وأتباعهم ومن تسبب بأسبابهم ، وعلموا أنه لا يقرب من علي عليه السّلام إلّا من تعفّف وتنزّه وتقشّف ، ورأوا عطايا معاوية لمن نزع إليه ، وتوسيعه من الدنيا على من صار إليه وفشى ذلك عنه ، وكاتب من صار إليه بذلك من خلفه من أصحابه ، ولذلك قال خالد بن المعتمر وقد صار إلى معاوية « 1 » وكان مع علي عليه السّلام لعلي بن هيثم يستدعيه ، وكان صاحب له وخلّفه مع علي عليه السّلام : يا علي انظر لنفسك وعشيرتك ، ما تأمر في رجل قد كنت رأيت مقامي عنده ، فسألته يوما وقد رأيت ضيق حال ابنيه الحسن والحسين أن يزيد شيئا يسيرا في عطائهما ، فأبى من ذلك وتجهم لي فيه وأغلظ القول عليّ له ، فهل ينفعك من لم ينفع ولده . فلم يكن يصبر مع علي عليه السّلام إلّا أهل الورع والبصائر ، والذين آثروا الصبر على مرارة الحق فيما سرّ وساء وأسخط وأرضى ، وأطرحوا عاجلا أمر الدنيا . ومن ذلك : أن أنصار علي عليه السّلام على معاوية كان أكثرهم أهل العراق ، وهم أهل تمييز وفطن وعقول ورأي ونظر وفحص وتأويل ، فمن أجل ذلك دخل عليهم ما دخل يوم رفع المصاحف في الحكمين ، وعارضوا عليا عليه السّلام في كلا الأمرين ، وعلى ذلك قبائل العرب وأهل العراق إلى اليوم . وأصحاب معاوية أتباع دنيا ، فمن أصابوها عنده رضوا بها عوضا ممّا سواها ، وعامتهم أهل الشام أبعد الناس أذهانا وأنقصهم عقولا وأقلّهم أفهاما ، وأطوع الناس لمن ملكهم ، وأكثرهم تسليما لمن ولي أمرهم ، وأقلهم تمييزا وفحصا ، ولذلك عدلوا معاوية بعلي عليه السّلام وحاربوه معه . ومن ذلك : أن أصحاب علي عليه السّلام نهكتهم الحرب ، وطالت عليهم الشقة ، ولم
--> ( 1 ) - قال ابن كثير : وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر وهو أمير الخيالة لعليّ فقال له : اتبعني على ما أنت عليه ولك أمرة العراق ، فطمع فيه .